كلمة السيد الاستاذ الدكتور/ هاني سويلم

يسعدني أن أرحّب بكم في الموقع الرسمي لمتحف الري بالعاصمة الادارية الجديدة، هذا الصرح الثقافي والعلمي الذي يجسّد تاريخًا ممتدًا من الإنجازات، ويُخلِّد مسيرة واحدة من أعرق الوزارات في جمهورية مصر العربية. فمنذ نشأة وزارة الموارد المائية والري – التي تُعدّ من أقدم الوزارات في تاريخ الدولة المصرية الحديثة – ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بحياة المصريين، وبنهضة الوطن، وبإدارته الرشيدة لمورده الأعظم: نهر النيل.

وقد مرّت وزارة الموارد المائية والري عبر تاريخها الطويل بالعديد من المراحل ؛ إذ أنشئت سنة 1857 تحت مسمى نظارة الأشغال العمومية التي كانت تتولى مسؤوليات واسعة تشمل الزراعة والري، والسكك الحديدية، والتلغراف، والإسكان، والآثار، ودار الأوبرا، وحديقة الحيوان، وحديقة الأسماك، والأرصاد الجوية، ومرصد حلوان.

ومع تطور الدولة المصرية وتوسّع مسؤولياتها، انبثقت عن وزارة الأشغال العمومية العديد من الوزارات المتخصصة مثل وزارة الإسكان، ووزارة الزراعة، ووزارة الثقافة، ووزارة الآثار، ووزارة النقل وغيرها، لتظل وزارة الموارد المائية والري حاضنةً لجذور هذا التاريخ العريق، وشاهدةً على تطور العمل الحكومي في مصر الحديثة.

لقد جاءت فكرة إنشاء متحف الري انطلاقًا من إيماننا بأهمية حفظ الذاكرة المؤسسية للوزارة، وتوثيق تراث يمتد لأكثر من قرن ونصف من العمل الدؤوب، والمشروعات الرائدة، والتطورات الفنية والهندسية التي شكّلت ملامح منظومة الري المصرية عبر العصور.

وخلال أعمال الحصر والدراسة داخل قطاعات الوزارة المختلفة، تبيّن لنا امتلاكنا لإرث تاريخي نفيس لا يُقدّر بثمن، يتضمن مخطوطات ووثائق وآلات وأدوات نادرة، كانت تحتاج إلى منصة تليق بها وتحفظ قيمتها للأجيال القادمة.

وتمتد مقتنيات متحف الري لتغطي حقبة زمنية كبيرة من تاريخ مصر الحديث، حيث تبدأ من موسوعة «وصف مصر» الصادرة عام 1908 ميلادية، وهي من أبرز كنوز وزارة الري، حيث تُعد عملاً موسوعيًا فريدًا، نتاجًا للحملة الفرنسية على مصر في عهد نابليون بونابرت، وقد ضمّت وصفًا تفصيليًا للحياة المصرية، وطبيعتها، وهندستها، وآثارها، وعادات شعبها في نهاية القرن الثامن عشر، لتصبح لاحقًا أحد أهم المراجع العالمية في دراسة تاريخ مصر الحديثة.

كما يضم المتحف أطلس مصر الصادر عام 1928، وهو أطلس نادر يمثل مرجعًا تاريخيًا ودوليًا بالغ الأهمية، إذ لا تزال الجهات المعنية بالحدود الدولية والاتفاقيات الإقليمية تعود إليه بوصفه وثيقة دقيقة وموثوقة في عمليات ترسيم الحدود وتحليل الخرائط القديمة.

ولا يقتصر تراث المتحف على الوثائق والمراجع؛ بل يشمل كذلك مجموعة واسعة من أدوات ومعدات الري القديمة التي استخدمها المهندسون والعمال المصريون على مرّ العقود. وقد كانت هذه الأدوات معرّضة – لولا العناية والرصد – للاندثار أو الإهمال، فكان لزامًا علينا أن نعمل على جمعها، واستعادتها، وترميمها، وتقديمها في إطار متكامل يُبرز قيمتها التاريخية والهندسية.

 كما يضمّ المتحف مجموعة نفيسة من الأدوات المساحية ومقاييس الري القديمة وأجهزة تسوية المناسيب، إلى جانب مجموعة من البوصلات الشمسية المعدنية التي يزيد عمر بعضها على مائة عام، والتي كانت تُستخدم في تحديد الاتجاهات وزوايا الميل اعتمادًا على حركة الشمس قبل ظهور أجهزة القياس الإلكترونية الحديثة. وتمثل هذه الأدوات شاهدًا حيًّا على دقة العمل الهندسي في المشروعات الكبرى للترع والقناطر والجسور، وتجسيدًا للجهد والعلم والانضباط الذي تميّز به رواد هندسة الري في مصر.

ونصل إلى أحدث مقتنيات المتحف وهي عبارة عن طابعة الكترونية تُعد من الرعيل الأول للطابعات التي عملت في مصر خلال أواخر سبعينيات القرن العشرين، في تجسيد حيّ لرحلة التطور من التوثيق الورقي والمقاييس التقليدية إلى استخدام النظم الرقمية الحديثة في إدارة الموارد المائية والري.

إن متحف الري ليس مجرد مساحة للعرض، بل هو مركز للمعرفة، ومنبر للتوعية بتاريخ إدارة المياه والري في مصر، وجسر يربط بين الماضي العريق والمستقبل الطموح. وهو رسالة تقدير لكل المخلصين الذين أسهموا في بناء هذا القطاع الحيوي، ورسالة أمانة نُسلّمها إلى شباب مصر وباحثيها ومهندسيها.

وفي الختام، أتوجّه بدعوتكم لزيارة متحف الري، والاستمتاع برحلة فريدة عبر الزمن، تتعرّفون فيها على ملامح الوزارة منذ نشأتها، وتطلعاتها نحو المستقبل، وجهودها المستمرة في حماية موارد مصر المائية وتحقيق التنمية المستدامة.

والله الموفّق والمستعان.

  أ.د. هاني سويلم

وزير الموارد المائية والري